عبد اللطيف وهبي: “شعبوية التشريع” والتمرد على المؤسسات.. قراءة في سياقات التلويح “بالاستقالة الملغومة”

 

بقلم ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير

 

​لم يعد الصراع الدائر اليوم حول مشروع قانون مهنة المحاماة مجرد خلاف تقني على بنود قانونية، بل تحول إلى أزمة نظام وحكامة داخل الأغلبية الحكومية.
إن لجوء وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، إلى التهديد بالاستقالة (كما جاء في بعض وسائل الإعلام) كـ “ورقة ضغط” لتمرير المشروع، يكشف عن عمق المأزق الذي وضعت فيه “الأنا المتضخمة” للوزير صورة الحكومة وهيبة الدولة.

​1. ديمقراطية الواجهة.. واستبداد الممارسة:

​يتبجح وهبي دوما بالمرجعية الحداثية والديمقراطية، لكن ممارساته في ملف المحاماة تعكس نزعة إقصائية بامتياز. فالديمقراطية في جوهرها هي “الحوار والتشاور”، بينما حاول الوزير فرض “رؤية أحادية” و”تجميد المسار التشاوري” مع أصحاب البدلة السوداء، مما تسبب في شلل تام للمرفق القضائي لأسابيع. الوزير هنا لا يدافع عن “هيبة التشريع”، بل يمارس “ديكتاتورية القطاع” ضاربا عرض الحائط بمبدأ التشارك الذي ينص عليه الدستور.

​2. التطاول على الاختصاصات وخرق التراتبية السياسية:

​ما كشفته كواليس “أغلبية أخنوش” يظهر أن وهبي يرفض منطق “رئيس الحكومة هو المسؤول الأول”.

– ​التشويش على “رجل الإطفاء”: حين تدخل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بصفته رئيسا للجهاز التنفيذي لفك “البلوكاج” وإنقاذ المحاكم من الشلل، اعتبر وهبي ذلك “تجاوزاً لقطاعه”، هذا التفكير يعكس تجاهلا للدستور؛ فرئيس الحكومة هو المسؤول السياسي عن تماسك الحكومة، وسحبه للملف وتشكيل لجنة “برئاسة الحكومة” هو إجراء مؤسساتي لتصحيح أخطاء وزير تسبب في أزمة اجتماعية وسياسية.

– ​الاستفراد بالقرار: امتعاض وهبي من عدم استشارته في “تأجيل الإحالة” ينم عن رغبة في تحويل وزارة العدل إلى “إقطاعية خاصة” لا تخضع لرقابة رئاسة الحكومة.

​3. شخصنة التشريع وتحويله إلى “نزوة سياسية”:

​بدل أن يكون التشريع أداة لخدمة العدالة، حوله وهبي إلى معركة “كسر عظام” شخصية.
إن التهديد بالاستقالة إذا لم يحل القانون على البرلمان فورا، هو محاولة واضحة لـ “ليّ ذراع الدولة”، الوزير يضع استقراره في المنصب كـ “فدية” مقابل تمرير نص قانوني رفضه المهنيون وباركت رئاسة الحكومة مراجعته. هذا السلوك يثبت أن التشريع عند وهبي هو “انتصار شخصي” وليس مصلحة وطنية.

​4. ضرب صورة المغرب واستقراره المؤسساتي:

​بينما يشتغل المغرب على أوراش كبرى تتطلب انسجاما حكوميا، تبرز خرجات وهبي كـ “نشاز سياسي”.

– ​تصدع الأغلبية: كواليس “إغلاق الهواتف” والتهديدات المتبادلة تشوه صورة المؤسسات أمام الرأي العام الوطني والدولي.

– ​المس بالسمعة: وزير “يقايض” بقاءه في الحكومة بشل مرفق القضاء أو فرض قانون بالقوة، هو وزير يسيء لسمعة المغرب الحقوقية ويسوق لصورة “حكومة الصراعات” بدل “حكومة الإنجازات”.

​5. ازدواجية الخطاب: “بين الحداثة والابتزاز”:

​يتحدث وهبي عن المؤسسات، لكنه يرفض قرارات “اللجنة المشتركة” التي تهدف للوصول إلى توافق. يتحدث عن احترام الدستور، لكنه يرفض سلطة رئيس الحكومة الدستورية.
إننا أمام حالة من “الشيزوفرينيا السياسية”؛ حيث يتم توظيف مفاهيم الديمقراطية لتبرير قرارات انفرادية، وعندما تتدخل الدولة لضبط الإيقاع، يتم التلويح بـ “الاستقالة” كأداة للابتزاز السياسي.

إن قرار المحامين بالعودة للمحاكم استجابة لمبادرة رئيس الحكومة (التي اتسمت بالصراحة والمسؤولية) هو إعلان صريح عن فشل منهجية وهبي الإقصائية. وإذا كان الوزير يرى في استقالته، كما تم الترويج لذلك، “مخرجا” في حال لم يحل مشروعه للبرلمان، فإن الحقيقة هي أن استقالته قد تكون “مدخلا” لاستعادة الانسجام الحكومي، لأن الدولة أكبر من “نزوات” وزير وضع طموحه الشخصي فوق استقرار العدالة.

قد يعجبك ايضا
Loading...