التقييم التنموي، الأوراش الهيكلية، والتحديات التشريعية والمالية بالدار البيضاء
ضيف اللقاء: الأستاذ أحمد بريجة، رئيس لجنة المرافق العمومية والخدمات بمجلس مدينة الدار البيضاء، النائب الأول لرئيس مجلس عمالة الدار البيضاء، والمنتخب بمقاطعة سيدي مؤمن.
الجزء الأول: حصيلة عمل الجماعة والأوراش التنموية بالدار البيضاء
الصحفية: مرحباً بكم أستاذ أحمد. نبدأ من حصيلة ولايتكم الانتدابية بمدينة الدار البيضاء؛ كيف تقيمون الإنجازات والخدمات المقدمة لساكنة المدينة من سنة 2021 وحتى اليوم؟
أحمد بريجة: في البداية، أتوجه بالشكر لمنبركم المحترم على هذه الدعوة الكريمة، وأنا فخور جداً بالحضور معكم. في الواقع، التقييم الحقيقي ليس ما تقدمه الأرقام أو أدوات المقارنة وتقييم الإنجازات والمشاريع والاستثمارات فحسب، بل التقييم الفعلي هو الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية. إن لم يشعر المواطن بأثر هذه المشاريع وما توقع حصوله، تبقى الأرقام مجرد حبر على ورق.
على مستوى برنامج عمل الجماعة (PAC) الخاص بالدار البيضاء والممتد من 2022 إلى 2027، نصل حالياً إلى نسبة تنفيذ تبلغ حوالي 40% إلى 45%. هذا البرنامج يتضمن مشاريع هيكلية وأولويات كبرى. وكما تعلمون، هناك ثلاثة برامج رئيسية تُسَيَّر بها المدينة:
-
برنامج تنمية الجهة (PDR).
-
برنامج تنمية العمالة (PDP).
-
برنامج عمل الجماعة (PAC).
كل مستوى يمتلك برنامجه واعتماداته الماليـة، وتجمعنا مشاريع مشتركة تسمح بها القوانين التنظيمية (111.14 و112.14 و113.14) لتعبئة الموارد وتوليد الشراكات.
الصحفية: ما هي أبرز القطاعات والشراكات التي يركز عليها برنامج عمل الجماعة؟
أحمد بريجة: لدينا اتفاقيات مع قطاعات حكومية متعددة تمس التدبير اليومي للساكنة، كالصحة، التعليم، الأسرة والتضامن، والشباب. برنامج عمل الجماعة يتطلب ميزانية ضخمة تناهز 40 مليار درهم؛ كمدبر ترابي، يجب عليك إيجاد مصادر هذا التمويل عبر عقد شراكات وتكتلات ترابية؛ مثلاً، إن كان المشروع يخص قطاع الشباب، نبرم شراكة مع وزارة الشباب، وشركة التنمية المحلية، ومجلس العمالة، وحتى مجلس الجهة إن لزم الأمر.
الصحفية: ما هي الأولويات التي تصدرت هذا التمويل والعمل الميداني؟
أحمد بريجة: على رأس أولوياتنا يأتي القطاع الاجتماعي والقضاء على السكن غير اللائق و”دور الصفيح”. هذا ورش تطلب جهداً كبيراً، ونلمس نتائجه اليوم على أرض الواقع ورغم وجود صعوبات، إلا أن هناك أرقاماً وإنجازات فعلية.
الورش الثاني هو البنية التحتية وفك العزلة عن عدة مناطق بالدار البيضاء. في إحدى دورات مجلس المدينة، كان لدينا 100 نقطة في جدول الأعمال، منها 50 إلى 60 نقطة تتعلق بنزع الملكية والعقار. والهدف من هذا الانضباط هو احترام المساطر والشروط القانونية وحماية ملكية المواطن، فلا يقع اعتداء مادي على العقار، بل تخضع المساطر للجان الخبرة والتثمين قبل بدء شق الطرق وبناء البنيات التحتية.
كما لا يفوتني الإشادة بالورش البيئي؛ فالبيئة ترتبط بالتنمية المستدامة ولها استثمارات كبرى، سواء عبر زيادة المساحات الخضراء أو جمع وطمر وتثمين النفايات، وكل ذلك بتظافر جهود السلطات المحلية، الهيئات المنتخبة، والمجتمع المدني.
الجزء الثاني: الترسانة القانونية، المراقبة المالية، وتحديات المستقبل
الصحفية: بالانتقال إلى قطاع العدل والقوانين الهيكلية؛ شهد القطاع جدلاً حول مشاريع قوانين تقدم بها الوزير عبد اللطيف وهبي. كيف تنظرون إلى هذه الإصلاحات؟
أحمد بريجة: لكي نكون منصفين، فالقطاع يسيره فريق الأصالة والمعاصرة عبر الوزير عبد اللطيف وهبي، والذي امتلك الجرأة الكافية لإخراج مشاريع قوانين كانت في الرفوف لسنوات طويلة واعتماد مقاربة تشاركية بشأنها.
نجحت هذه المقاربة في نقاط وحصل عليها إجماع، وتولدت الاختلافات في نقاط أخرى وهو أمر طبيعي. المهم هو الاعتماد على أهل الاختصاص والممارسين المهنيين عند صياغة قوانين حاسمة مثل المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية، لكونها تمس حياة المواطنين والشركات مباشرة. وقانون المحاماة أيضاً أثار نقاشاً واسعاً، وهناك من هو راضٍ عنه ومن هو غير راضٍ. كما أن تحويل بعض المواد للمحكمة الدستورية يضمن مطابقتها للدستور.
الصحفية: وماذا عن التوازن البرلماني ورئاسة لجنة العدل والتشريع؟
أحمد بريجة: المشرّع المغربي في الدستور منح رئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان للمعارضة، وهذا لم يكن عبثاً، بل لضمان التوازن والرقابة. التشريع لا يمكن أن يرضي جميع الأطراف بنسبة 100%، لكن الهدف هو تحقيق التوافق والتدرج في الإصلاح، لأن هذه القوانين تلازم الفرد من ولادته إلى نهاية حياته.
الصحفية: بصفتكم عضواً في لجنة المراقبة المالية العمومية؛ ما الذي تقدمه هذه اللجنة تحديداً للمواطن؟
أحمد بريجة: هذه لجنة حديثة العهد، واختصاصها الأساسي يكمن في دراسة ومتابعة “قوانين التصفية” والتي لم تفعل بشكل منتظم لسنوات. قانون التصفية هو بمثابة الحساب الإداري الذي نتحقق عبره: هل التزمت الحكومة فعلياً بتنفيذ ما يصوّت عليه البرلمان في قانون المالية؟
ما يؤلمنا أحياناً هو أن البرلمان يصوّت على ميزانيات قطاعية، لتأتي بعض الوزارات وتنفذ الميزانية بنسب ممتازة تصل إلى 70%، بينما قطاعات أخرى تصدمنا بنسب تنفيذ متدنية لا تتعدى 3% أو 5%. دورنا في اللجنة هو التأكد من أن الأرقام والميزانيات المستثمرة قد تحولت بالفعل إلى خدمات ومشاريع يستفيد منها المواطن.
الصحفية: كلمة ختامية لتطلعاتكم المستقبلية بخصوص مدينة الدار البيضاء؟
أحمد بريجة: ختاماً، أؤكد أن المسؤولية جماعية ومشتركة بين البرلمانيين، المجتمع المدني، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. نحن مقبلون على أوراش واستحقاقات كبرى وتظاهرات عالمية مثل تنظيم كأس العالم وتثبيت الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية.
مدينة الدار البيضاء أمامها سنة حاسمة وهي 2028؛ يجب أن نصل لهذه المحطة والمدينة مؤهلة بالكامل، تضع كرامة الإنسان والعيش الكريم والاستثمار والتأهيل في صلب أولوياتها. النقد البناء والإعلام والجمعيات يوجهوننا ويساهمون في تصحيح المسار، وبالإرادة وتظافر الجهود سنتغلب على الصعاب لتحقيق المصلحة العامة لساكنة المدينة.