بقلم: ذ/ عبد اللطيف أيت بوجبير
لا يخطئ المتابع للشأن الحقوقي في المغرب أن رائحة “الردة التشريعية” بدأت تفوح من كواليس مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. فما يحدث اليوم في ردهات المحاكم، من غليان مهني وإضرابات واحتجاجات لـ “أصحاب البدلات السوداء”، ليس مجرد نزاع فئوي على امتيازات ضيقة، بل هو صرخة استغاثة لحماية “آخر القلاع” التي تقف حائلاً بين المواطن وتغوّل السلطة الإدارية.
إن المحاماة، في جوهرها الكوني وتاريخها العريق، لم تكن يوما مجرد حرفة للاسترزاق، بل هي “مؤسسة دستورية” قائمة بذاتها. هي صوت من لا صوت له، وهي الضمانة الوحيدة لكي لا تظل “المحاكمة العادلة” مجرد حبر على ورق الدستور. لكن القراءة المتأنية لمشروع القانون الجديد تكشف عن خطة ممنهجة لـ “تأميم” هذه المهنة، وتحويل المحامي من “فارس للمنبر” إلى “موظف مروض” تحت وصاية الإدارة.
“استقلال المحامي.. حق للمواطن لا امتياز للمهني”:
حينما يطالب المحامون بالاستقلال، فهم لا يطلبون “حصانة من المحاسبة”، بل يطلبون “الحصانة من الترهيب”.
إن نقل صلاحيات القيد في الجداول والترخيص للمكاتب إلى يد وزارة العدل (المواد 34 و35 و36)، هو طعنة في قلب مبدأ الفصل بين السلط. فكيف يمكن للمحامي أن يدافع بكل جرأة ضد شطط الإدارة، إذا كان مفتاح بقائه المهني بيد هذه الإدارة نفسها!؟.
لقد استلهم العالم بأسره “المعيار الذهبي” من اتفاقيات دولية (آخرها اتفاقية مجلس أوروبا ل: 13 ماي 2025) ومن تجارب مقارنة رائدة، حيث يظل “الجدول المهني” شأنا سياديا للمحامين وحدهم. أما مشروع 66.23، فيبدو أنه اختار السير عكس اتجاه التاريخ، متبنيا منطق “الوصاية” الذي يفرغ المهنة من محتواها النضالي.
“مرافعة تحت التهديد.. عدالة مشلولة”:
الأخطر من ذلك، هو ما تضمنته المواد 49 و50 من المشروع، والتي تفتح الباب أمام مطاردة المحامين جنائيا ومدنيا بسبب “فعل الدفاع”.
إن استخدام عبارات فضفاضة مثل “المساس بسير العدالة” لتكميم أفواه المحامين أثناء مرافعاتهم هو اغتيال لروح العدالة.
فالمحامي الذي يخشى الاعتقال أو المتابعة بسبب كلمة قالها في حضرة القضاء، هو محامي “مخصي” مهنيا، لا يمكنه أن يضمن للمواطن دفاعا حقيقيا.
وكما أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في اجتهاداتها، فإن حرية تعبير المحامي هي “الشرط المسبق” لأي محاكمة عادلة؛ وبدونها، تصبح قاعات المحاكم مجرد مسارح لإجراءات شكلية باردة.
“صرخة من أجل المستقبل”:
إن الرأي العام المغربي مدعو اليوم لإدراك حجم الكارثة؛ فالمس بمكانة المحامي هو مس مباشر بحق كل مواطن في الدفاع.
إن إضعاف “الدفاع” هو إضعاف للقضاء نفسه، وتقويض لأسس دولة الحق والقانون التي ينشدها المغاربة.
إننا نضم صوتنا لصوت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، ليس انحيازا لقطاع مهني، بل انتصارا لقيمة “الحرية”.
إن سحب المقتضيات التراجعية في مشروع 66.23، والعودة لطاولة الحوار التشاركي الحقيقي، ليس خيارا بل ضرورة وطنية.
خاتمة القول، إن المحاماة المستقلة هي “بوصلة” الأمن القضائي.
فإذا انكسرت هذه البوصلة، تاه الجميع في دروب التعسف. فهل يستجيب المشرع لصوت الحكمة، أم سيُصر على توقيع شهادة وفاة “استقلال الدفاع” في المغرب؟.