تأخذ رواية “قدر الحساء” للكاتب والباحث محمد سالم الشرقاوي القارئ في رحلة أدبية عميقة، تسعى من خلالها إلى تشكيل هوية سردية مغايرة للصحراء المغربية، متجاوزة الصور النمطية لتغوص في جوهرها الإنساني والحضاري. ويعد هذا العمل الروائي، الذي أثار نقاشاً نقدياً واسعاً، محاولة جادة لإعادة الاعتبار للموروث الشفهي والمادي للمنطقة، حيث ينسج المؤلف خيوط حكايته ببراعة تمزج بين الذاكرة الفردية والجمعية، مستحضراً تفاصيل الحياة اليومية في الصحراء بكل ما تحمله من قيم الصبر، والكرم، والارتباط الوثيق بالأرض، وهو ما يجعل من الرواية وثيقة أدبية تنبض بالحياة وتؤرخ للمسكوت عنه في التاريخ الاجتماعي للمنطقة.

وتعتمد الرواية في بنائها السردي على لغة شعرية مكثفة، تجعل من “الصحراء” فضاءً ممتداً ليس فقط جغرافياً، بل رمزياً وفلسفياً أيضاً؛ فالمكان في “قدر الحساء” ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو بطل فاعل يساهم في صياغة مصائر الشخوص وتشكيل وعيهم. وقد استطاع الشرقاوي، من خلال توظيف مهاراته في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، أن يكشف عن “الجواهر” المخفية في العمق الصحراوي، مسلطاً الضوء على تعقيدات العلاقات الإنسانية والتحولات الاجتماعية التي شهدتها المنطقة، مع الحفاظ على روح “الحساء” كرمز للتكافل والوحدة والمصير المشترك الذي يجمع أبناء الصحراء.
وفي سياق القراءات النقدية للعمل، أجمع الباحثون على أن “قدر الحساء” تمثل إضافة نوعية للمكتبة المغربية، كونها تكسر العزلة السردية عن الأقاليم الجنوبية وتضعها في قلب المتن الروائي الوطني. فالرواية لا تكتفي باستحضار الماضي، بل تحاور الحاضر وتتطلع نحو المستقبل، محاولةً تقديم إجابات إبداعية عن أسئلة الهوية والانتماء. وخلص النقاد إلى أن محمد سالم الشرقاوي نجح في جعل الرواية جسراً ثقافياً يربط بين مختلف المكونات الحضارية للمملكة، مؤكداً أن الإبداع الأدبي هو القادر على استنطاق رمال الصحراء وجعلها تبوح بأسرارها الكونية وجمالياتها الدفينة.